السيد محمد تقي المدرسي

318

من هدى القرآن

هكذا استجاب الل - ه لنوح عليه السلام [ 76 ] وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ هذه الآية تبين أهمية الدعاء وعظمة شأنه ، إذا كان مستكملًا لأركانه وشرائطه ، فنوح عليه السلام صبر واستقام في أداء رسالته ، وأخلص الطاعة لربه وخالقه ، فلما تعرضت الأمة المنحرفة لخطر الطوفان الرهيب الذي لم يكن ليصمد أمامه شيء ، ولم تكن حتى سفينة نوح كافية للإفلات من غضبه الأمواج الهادرة ، طلب نوحعليه السلام من ربه النجاة ، فجاءته الاستجابة الإلهية الكريمة لتشمله هو ومن كان معه باللطف والعناية ، وتشير الآية إلى أن هناك شرطين أساسيين للدعاء : ألف : العمل في مسير الدعاء ، أي أن يكون الدعاء مصحوباً بما يتمكن عليه الإنسان من العمل والسعي في اتجاه الهدف المطلوب ، لا أن يكون وسيلة للقعود والتهرب من المسؤولية ، ونوحاً إنما دعا ربه بعد ( 950 ) عاماً م - ن الدعوة والجهاد . ب - اء : الخشوع والتضرع إلى الله سبحانه ، بحيث يتمثل الإنسان نفسه واقفاً بين يدي ملك الملوك جبار السماوات والأرض ، أما أن يدعو ربه ، ويكون فكره مشغولًا بمواضيع دنيوية أو متعلقاً بأشخاص آخرين ، فهذا ليس من أدب الدعاء وليس طريقاً للاستجابة أبداً . والدعاء الصحيح يحول الإنسان من أعماق البئر إلى ملك يجلس على عرش مصر ، كيوسف عليه السلام ، ومن رجل مطارد يلقى به في أتون النار الملتهبة إلى إمام للناس يصبح بداية تأريخ ، كإبراهيم عليه السلام ، ومن شاب مغمور إلى ملك مهاب ، كداود عليه السلام ، أو من رجل قد أحاط المرض والفقر به إلى إنسان سوي ثري ذي أهل وأولاد وجاه في المجتمع ، كأيوب عليه السلام ، وكل ذلك جرى بالقدرة الإلهية الغيبية ، وبواسطة الألطاف الرحمانية التي شملتهم ، بسبب إخلاص طاعتهم وتوجيههم لخالقهم . وهذا هو معنى المسؤولية ، حيث إنها لا تقتصر على العمل وتحمل الأذى والصعاب فقط ، وإنما تمتد إلى انتظار الفرج ، وتوقع الثواب من قبل الرب الغني الحميد ، الذي يعجل بجزء من رحمته لعبادة الصالحين في الدنيا ، ويؤجل الأعظم منها إلى الحياة الأبدية في الدار الآخرة . [ 77 ] وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إن إنقاذ الإنسان من مجتمعه الفاسد قضية هامة تركز عليها هذه الآيات بل كل سورة الآنبياء ، وإن من الأصنام المجتمع الذي إن لم يقدر على إصلاحه فعليه أن ينقذ نفسه منه باللجوء إلى الله ، فإنَّ البلاء إذا نزل عم ، وهكذا أنقذ الله نوحاً من القوم الذين كذبوا بآيات الله .